خليل الصفدي

109

أعيان العصر وأعوان النصر

المعروف ما يسره في غد إذا حصده قد صارت المكارم له جبلة ، والمواهب تتحدر من غمائم أنامله المستهلة يحفظ فرجه ، ويسد بالعفة ما يفتحه له السلطان من فرجه لا يقرب من مماليكه من كان أمرد ، ولا يجعله على باله أقبل عليه بوجهه أم رد ، وليس له من الجواري حظيه ، ولا امرأة يدنو إليها بحسنة أو خطيه اللهم إلا ما كان من أم أولاده التي حضرت معه من البلاد ، ولم تر عليها له طارفا يستجده على مالها من التلاد يصلي العشاء الآخرة ، ويدخل إلى فرشها ، ويخرج لصلاة الصبح وكأنها بلقيس « 1 » في عرشها . وكان يحب أهل العلم ، ويجالسهم ، ويطارحهم المسائل ، ويدارسهم ، ويبسط لهم الود الأكيد ، ويؤانسهم وكان يعرف ربع العبادات ، ويجيده ، ويتكلم على الخلاف فيه ، ويفيده ، وكان يميل إلى الشيخ تقي الدين بن تيمية ، ويترشف كلامه ، وينتشي بذكره لو كنت أعلم أنه يتناول المدامة وينفر عمن ينحرف عنه ، ويوليه الملامة ، ويوفر العطاء لمن قلده ، ويسني الهبات لمن قيد كلامه ، وجلده إذا كتبه وجلده . هذا مع الإحسان المطلق مع الناس أجمع ، والبر الذي إذا فاض أخجل الغيوث الهمع تارة بجاهه الذي لا ترد إشارته الملوك ، وتارة بماله الذي تنخرط جواهره في السلوك . وكان آخر ، وقته كبير الدولة في السلم ، وإثارة غبار السنابك ، وإذا حضر دار عدل قال : يا أتابك سبحان من أتى بك . ولم يزل على حاله في سؤدده إلى أن غاب بدره ، وأفل ، ونزل شخصه إلى حضيض القبر ، واستفل . وتوفي - رحمه اللّه تعالى - في سنة ست وأربعين وسبعمائة يوم الاثنين العصر السابع عشر من ذي الحجة ، وكان ينتسب إلى إبراهيم بن أدهم « 2 » رضي الله عنه ، وسيأتي ذكر ولده الأمير ناصر الدين محمد . خطبه الملك الأشرف خليل ، وهو في تلك البلاد ، ورغبه في الحضور فلم يوافق حتى

--> ( 1 ) بلقيس هي : بلقيس بنت شراجيل ملكة سبأ والتي قال عنها الهدهد لسليمان عليه السّلام : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَها عَرْشٌ عَظِيمٌ ( 23 ) وَجَدْتُها وَقَوْمَها يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ [ النمل : 23 ، 24 ] . ( انظر : تفسير القرطبي : 13 : 182 / 183 ) . ( 2 ) إبراهيم بن أدهم هو : ابن منصور التميمي أبو إسحاق زاهد مشهور ، كان أبوه من أهل الغنى في بلخ فتفقه ورحل إلى بغداد وجال في العراق والشام والحجاز ، وأخذ كثير من العلماء وكان يعيش من العمل بالحصاد وحفظ البساتين والحمل والطحن ويشترك مع الغزاة في حرب الروم توفي عام 161 ه . ( انظر : تهذيب ابن عساكر : 2 : 167 ، والبداية والنهاية : 135 / 10 ، وحلية الأولياء : 7 : 367 ) .